آخر تحديث: 18 / 4 / 2014م - 8:04 م  بتوقيت مكة المكرمة

مناهج معالجة موضوع الدراسة

محمد الشيوخ *

يقصد بالمنهج، هو تلك الطريقة العلمية الممنهجة التي يتبعها الباحث في دراسة موضوع ما للوصول الى قانون عام. او هو عملية فنية لترتيب الافكار بشكل ممنهج ودقيق، بحيث تؤدي الى كشف او فهم حقيقة ما. ولمعالجة موضوع الدراسة سيتم الاستعانة بالمناهج التالية:

1 - منهج دراسة الحالة:

لقد وردت تعاريف عديدة لمنهج دراسة الحالة، لعل ابرزها ماجاء على لسان الباحث روبيرت كي يين «Robert K. Yin»، الذي يرى أنه تحقيق تجريبي يبحث في ظاهرة معاصرة ضمن سياقها الواقعي، عندما تكون الحدود بين هذه الظاهرة وسياقها غير واضحة، وذلك باستخدام مصادر متعددة من الأدلة. وكذلك تعريف الباحث فيرشايلد «Fairchild»، الذي يرى بأنه عبارة عن منهج يمكن عن طريقه جمع البيانات ودراستها بحيث يمكن رسم صورة كلية لوحدة معينة في علاقاتها وأوضاعها الثقافية المختلفة.

يقوم منهج دراسة الحالة على أساس اختيار فرد أو جماعة أو مؤسسة أو ظاهرة سياسية أو اجتماعية أو نظام سياسي محدد، ومن ثم يتم جمع المعلومات التفصيلية والدقيقة عن ذلك الفرد أو تلك الوحدة أو الظاهرة وما يرتبط بها، وذلك عبر وسائل متعددة كالمقابلة الشخصية ودراسة الوثائق والسجلات الرسمية والمذكرات الشخصية وتقارير الاطباء وملاحظات الجهاز الاصلاحي داخل المؤسسة وهوايات المبحوثين، وكذلك الملاحظة بالمعايشة، والفحوص والاختبارات، ونحوها، لمعرفة ماهيتها وتحليل دوافعها واسبابها ونتائجها، بغية الوصول إلى تعميمات يمكن تطبيقها على غيرها من الظواهر المشابهة لها.

ويعتبر منهج دراسة الحالة من المناهج الوصفية المميزة في دراسة الظواهر المتنوعة، التي يتعذر فهمها بسهولة نظرا لوضعيتها الفريدة أو تعقيداتها المتشابكة، مما يمكن الباحث من التركيز عليها بمفردها. ويستخدم هذا المنهج عادة للأشارة الى العملية التي من خلالها يتم جمع البيانات عن تلك الظاهرة، لتمكن الباحث من التعمق في دراستها وبحثها بشمولية.

وتتم دراسة الحالة عبر خطوات علمية محددة ممنهجة وواضحة، كتحديد المشكلة المراد بحثها، وايضاح هدف الدراسة، وموضوعها، وإعداد مخطط لتحديد مسار الباحث في اختيار أنواع البيانات المطلوبة والطرق المناسبة لجمعها وأساليب تحليلها، لفهم الحالة أو المشكلة المطلوب دراستها، ومن ثم صياغة الفرضية أو الفرضيات التي تعطي التفسيرات المنطقية والمحتملة لمشكلة البحث ونشأتها وتطورها وتأثيراتها. وكذلك تنظيم البيانات وتصنيفها وتحليلها بالأساليب التي يرى الباحث أنها تخدم أهداف بحثه. وفي الاخير يوضح الباحث النتائج والتوصيات التي تم التوصل إليها، مشيرا الى أهميتها وإمكانية الاستفادة منها في دراسات أخرى.

سيتم الاستعانة بمنهج دراسة الحالة في هذه الدراسة، لتحقيق الغايات التالية:

1 - جمع وتحليل البيانات ذات الصلة بظاهرة ثورات الربيع العربي، بعد تحديدها ووضع فروضها وايضاح مفاهيمها، من خلال الملاحظة او عقد اللقاءات والحوارات المباشرة مع الاطراف ذات الصلة بالموضوع، عبر مختلف وسائل جمع البيانات المستخدمة في هذا المنهج.

2 - دراسة الظاهرة بشمولية وعمق، وعدم الاكتفاء بدارستها بصورة سطحية، بغية التعرف على ماهيتها وارتباطاتها وتأثيراتها والعمليات والاحداث المرتبطة بها.

3 - تحليل وتفسير دوافع واسباب الظاهرة، إلى جانب الوقوف على تداعياتها وانعكاساته المختلفة، سواء على عمليات الاصلاح او على ظاهرة الاسلام السياسي المتمثلة في بعض الحركات الاسلامية في الوطن العربي بشكل عام، والتيارات الدينية والقوى الاصلاحية في المملكة العربية بشكل خاص.

4 - مناقشة اسباب صعود الاسلام السياسي لسدة الحكم، عبر آلية الانتخاب، وذلك بعد سقوط العديد من الانظمة السياسية.

5 - استشراف إمكانية حدوث تحول حقيقي نحو الديمقراطية جراء ذلك الحدث، سواء في بلدان الربيع العربي او عموم المنطقة.

6 - وكذلك الوقوف على ملامح المشهد السياسي الراهن في العالم العربي عامة والسعودي خاصة، في ظل الاحتجاجات والثورات الراهنة.

7 - التأكد من صحة الفروض الرئيسية والفرعية للدراسة، عن طريق المزيد من الاجراءات والوسائل العلمية والموضوعية الدقيقة، الى جانب السعي في صياغة فرضيات جديدة، من الممكن ان تفتح المجال أمام دراسات أخرى في المستقبل.

2 - منهج المسح الاجتماعي:

تهتم الدراسات المسحية غالبا بدراسة الظواهر الإجتماعية، بصورة شمولية دون الاهتمام بالعمق. وعادة ما يتم تعميم النتائج للإستفادة منها لوضع الخطط والبرامج لإجراء الإصلاح الاجتماعي. وتعد الإستبيانات والمقابلات المقننة أكثر الأساليب استخداماً في تنفيذ المسوح الإجتماعية. وتستخدم الدراسات المسحية لاكتشاف العلاقات الارتباطية بين المتغيرات، مثلاً علاقة التفكك العائلي ونسب الطلاق في مدينة ما.

ويعرف المسح الاجتماعي، بأنه عبارة عن دراسة عامة لظاهرة موجودة في مكان ووقت محددين. ولكن في الحاضر وليس في الماضي، وتتم دراسة الظاهرة دون الخوض في تأثيرات الماضي، كما انه يدرس الظواهر كما هي، اي دون تدخل الباحث فيها والتأثير على مجرياتها.

وتقسم المسوح الإجتماعية الى نوعين رئيسيين، هما:

1 - المسح الشامل، الذي يقوم على جمع معلومات شاملة حول جوانب الظاهرة المدروسة.

2 - المسح بالعينة، وهو أكثر استخداماً وشيوعاً من المسح الشامل، وذلك لقلة تكاليفه نسبياً، ولإمكانية الحصول على نتائج يمكن تعميمها على جميع وحدات مجتمع الدراسة. والباحث في هذا النوع يكتفي بدراسة عدد محدود من الحالات أو المفردات وذلك في حدود الوقت والجهد والإمكانيات المتوفرة لديه.

والمسح الإجتماعي كبقية المناهج العلمية، يسير وفق خطوات محددة تتمثل في تحديد مشكلة البحث، واهدافه، وجمع البيانات الخاصة، وتحديد الاداة البحثية الملائمة لجمع هذه البيانات، وعادة ما يستخدم الاستبيان والمقابلة وهي أكثرها شيوعاً. كما تستخدم الملاحظة، ويتم الاستفادة من الاحصاءات والسجلات الرسمية.

وسيتم الاستعانة بمنهج المسح الاجتماعي في هذه الدراسة، لتحقيق الغايات التالية:

1 - دراسة ظاهرة ثورات الربيع العربي، بوصفها ظاهرة قائمة في زمن ومكان محددين، وبصورة اشمل وأوسع، من خلال جمع البيان الشاملة حول الظاهرة وجوانبها المختلفة.

2 - لاكتشاف العلاقات الارتباطية بين متغيرات الظاهرة، كعلاقة نوعية وشكل النظم السياسية وسلوكها باندلاع الثورات، او بتأثيرات حدث الثورات على ظاهرة الاسلام السياسي الجديد.

3 - بعد جمع البيانات مع المنتمين لحركات الاسلام السياسي المعنية بالدراسة، يمكن تعميم بعض النتائج المستخلصة على سائر الحركات الاسلامية المشابهة.

3 - المنهج المقارن:

يعرف المنهج المقارن بانه عملية عقلية تتم بتحديد اوجه الشبهة والاختلاف بين ظاهرتين او حدثين أو موضوعين او اكثر، ليتم الحصول من خلالها على معارف ادق للتميز بين الظواهر المبحوثة. ويركز هذا المدخل على مقارنة جوانب التشابة والاختلاف بين الظواهر، بغرض معرفة العوامل أو الظروف التي تصاحب حدوث ظاهرة أجتماعية أو ممارسة معينة، على أن تكون المقارنة في حقبة زمنية واحدة، أو تقوم بمقارنة ظاهرة واحدة في نفس المجتمع لكن في فترات زمنية مختلفة، لمعرفة تطورها وتأثيرها. ولكي يحقق الباحث أهدافه العلمية بتطبيق هذا المنهج عليه أن يقوم بعملية رصد دقيق للظاهرة المبحوثة وسماتها وظروفها السابقة واللاحقة، ومن ثم تنظيم وتصنيف مشاهداته عنها، لتتم من خلالها عملية المقارنة، بغية الوقوف على المتغيرات الطلرئة وأوجه الشبه والاختلاف القائمة.

سيتم الاستعانة بالمنهج المقارن في هذه الدراسة، لتحقيق الغايات التالية:

1 - رصد المتغيرات التي احدثتها ثورات واحتجاجات الربيع العربي، على سلوك بعض الاسلاميين الجدد، سواء الذين وصلوا لسدة الحكم في دول الربيع العربي او المنتميين للتيارات الدينية والقوى الاصلاحية في السعودية، وذلك من خلال الوقوف على بعض مواقفهم وقناعاتهم وأفكارهم القديمة والحديثة، ازاء العديد من المفاهيم والقضايا المرتبطة بالاصلاح والمشاركة السياسية والتحول الديمقراطي، وذلك في فترتين زمنيتين مختلفين: ما قبل ثورات الربيع العربي وما بعدها.

2 - التعرف على المتغيرات التي طرأت على المشهد السياسي الجديد في دول الربيع العربي عموما والسعودية خصوصا، وذلك قبل ثورات الربيع العربي وبعدها.

3 - تقديم تفسيرات أكثر قوة للموضوعات المدروسة، لان هذه التفسيرات استندت إلى أدلة جمعت في ظروف سياسية وزمنية مختلفة ومن عدة مجتمعات ايضا وليس من مجتمع واحد، مما يقلل من تأثير عوامل الصدفة، والتحيزات الثقافية المسبقة.

كاتب وباحث في علم الاجتماع السياسي